21‏/06‏/2009

اخوة التراب.. الى اين؟

هذا ما تريده كل ام فلسطينية.. هذا ما تريده امنا فلسطين.

اقول لنفسي اني على وشك الانهاء. اشجعها، ادفعها لان تخرج اثقالها. ثلاث سنوات وانا ابحث فيما ابحث فيه، ابحث في الصراعات التي يكشفها او يخيفها ادب الاطفال الفلسطيني في الضفة الغربية خلال فترتي الانتفاضة الاولى وفترة اوسلو (1987-2000).
مهلا: لست معنية بتقسيم الشعب الفلسطيني وبحث كل فريق منه على حدة، وان كان شعبي ممزقا الى درجة يستحيل معها حتى الان جمع شتاته واجراء البحوث عنه وعليه واليه.
الهدف من تحديد فئة معينة هو من اجل تسهيل عملية البحث واجراءه فعليا ولربما يفتح، واعتقد جديا، انه سيفتح افاقا جديدة.

صراع الكبار
قال لي استاذ في اللغة العربية من جامعة بير زيت، وكنا في مكتبة البيرة قرب رام الله: صراعات؟ ارجوك ابتعدي عن هذه المصطلحات! كان هناك نوع من التشكك في مصداقية البحث. وتسائل قائلا: ولماذا تعنى الجامعة العبرية بالصراعات داخل ادب الاطفال؟ لا ليس عندنا صراعات في ادب الاطفال.. يكفينا الصراع بين الكبار.

قلت له: نعم يوجد صراع داخل ادب الاطفال. وهذا تجديد اضيفه من خلال بحثي. وان كان البحث عن طريق الجامعة العبرية فاني اراه ايضا مترجما للعربية من اجل ان يستفيد منه ايضا من ليسوا في هذه الجامعة.

حل الصراع بمضمون رباني واسلوب علمي
علينا ان نبحث في الصراعات الداخلية. يكفينا وهما باننا موحدون وكل شيء على ما يرام، وكل مشكلة يمكن ان تحلها صلحة عشائرية! قبل عدة سنوات، عندما كنت اعمل في مجال الصحافة وكنت اتنقل ما بين الضفة وغزة، كانت الكثير من التصريحات الاسرائيلية حول احتمال نشوء حرب اهلية فلسطينية. وكان المسؤولون وغير المسؤولين من الفلسطينيين يضحكون ويقولون: نحن؟ لا يمكن.. مستحيل.. نحن اخوة.. نحن اخوة في التراب وتحت الاحتلال ولا يمكن ان نقاتل بعضنا البعض.
اسرائيل طبعا استغلت هذه الثقة الزائدة بالنفس والركون الى الاخوة! وعملت ما عملت من اجل ان تزيد من الشقوق داخل الجسد الفلسطيني الواحد.. وهناك طبعا من الفلسطينيين من ساعدها في ذلك، بقصد او بغير قصد، الله وحده يعلم بالنوايا. والان نحن على شفير حرب اهلية، واذا اردت ان اكون اكثر واقعية، نحن في هذه الحرب، خلافات بين غزة والضفة الغربية. اعتقالات في الضفة الغربية وموت للمعتقلين في سجونها تحت التعذيب، واطلاق رصاص واخوة يقتلون بعضهم في قلقيلية.
واذا بحثنا في الاسباب لوجدناها كثيرة ومتنوعة منها الحرب على المصالح ومنها على الكراسي ومنها من اجل السيطرة ومنها للمقاومة. ولكني ارى اكثر ما جعلنا نبتعد عن بعضنا هو تقوقع كل طرف في مكانه، فلا حوار حقيقي، ولا رؤية ابعد من راس الانف لمستقبل الصراع مع الاسرائيلي المحتل.
ربما علينا ان نبدأ ونفتح أعيننا وان نستعمل الادوات الحديثة التي تعرضها الجامعات في حل الصراعات، كم من العرب والفلسطينيين يشاركون ويتعلمون فن حل الصراع؟ نحن في هذه المرحلة في أشد الحاجة الى أدوات تساعدنا على حل الصراعات فيما بيننا، واذا كانت هذه الادوات في الجامعات ومعاهد البحث فالنتعلمها ولنتذكر ان الله تعالى امرنا بالاصلاح بين المختلفين، وان فشل الاصلاح فيجب مساندة الفئة المغلوبة وردع الفئة الباغية حتى تعود الى امر الله.
اتفاجئ كثيرا من قدرة البعض على التحريض ضد الاخر بهذه الصورة. دعوات للعصيان والتمرد، تكذيب مستمر للآخر وتشكيك في نواياه.
في حديث مع ناشطة من منطقة سلفيت تساءلت: كيف كانت العائلة الفلسطينية لزمن طويل تحتضن كل وجهات النظر وكنت تجد في نفس البيت انتماءات عديدة: الاسلامي، الماركسي والقومي؟
واجابتني: كانت العائلة الفلسطينية متماسكة. اما اليوم فلا. كانوا في السابق يريدون الوطن فقط. اما اليوم لا ضير من اشلاء وطن مع وظيفة.



19‏/06‏/2009

سيأتي..



سيأتي

رغم خوفي وانتظاري

سيأتي.

ويفتح لي ابواب الحياة كما لم اعرفها

سيأتي.

لي يقين

حقيقي

سيأتي.

لا تخافي ولا ترتجفي مثل دمية

سيأتي

مثل النور ليضيئ وحشة قلب

يحاول ان يصبر وان يحب

رغم اعداءه

رغم خوفه من مجهول

يرتبط القلب بحبل

يتعلق في الهواء

يحاول ان ينبض باسم الله

حتى لا يقع

يقول له: هل ستأتي؟

انتظرتك اعواما

وكتبت في شهادة ميلادي ان ميلادي يوم عودتك

هل ستأتي؟

أهكذا يتحول اليقين الى مجرد سؤال؟


...


09‏/06‏/2009

قال الشعار: فلسطين لنا.. قال الواقع: استمروا في الوهم

هل فعلا نمتلك وعي الارض؟


كانت شهرزاد تقرأ الحكايا وكتب التاريخ عساها تجد نفسها وسط حطام من كلمات وتجارب. وفي احيان كثيرة كانت تسأل نفسها ان كانت داخل احدى الروايات ام خارجها. كانت تتسائل: هل اعيش حكاية نفسي؟ والى اين المصير?
مرت سنوات وهي على هذه الحالة، تعتاش من الكلمات والمعاني. تفسرها وتأخذها الى اماكن حقيقية ووهمية. عاشت لتعرف، ولكنها اليوم تشعر وكأنها تصحو من حلم او من كابوس.
لم تكن شهرزاد سوى امرأة وحيدة تحاول تسلية نفسها ومن حولها من البؤساء...



كل يوم تسلب لنا أرض
وفي أحد الأيام وكان ذلك قبل اربعة أيام، وجدت شهرزاد نفسها وسط جماعة من الفلسطينيين والاسرائيليين من نشطاء ما يسمى "حقوق الانسان" في رام الله. كان النقاش حول سياسة الادارة العسكرية في مناطق C (اي المناطق الفلسطينية تحت الاحتلال الاسرائيلي المباشر وفق تقسيم اتفاقيات اوسلو بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الاسرائيلي )، وملخص المعطيات التي عرضتها منظمة "بمكوم" وهي منظمة اسرائيلية تعنى بموضوع الهدم والبناء في المناطق المحتلة عام 1967 وخاصة في القدس العربية وفي مناطق C في الضفة الغربية. وحسب المعطيات فان اسرائيل تسيطر على 60% من مساحة الضفة الغربية وهي تخضع للادارة العسكرية بشكل مباشر، حيث تحول دون ان تتوسع القرى والمدن الفلسطينية وبذلك تحد من نموها وتطورها.

وحسب الاحصاءيات فان اسراائيل تهدد بهدم ما يقارب 60 بيتا شهريا، اضافة الى مصادرة 9% من اراضي الضفة الغربية بهدف بناء جدار الفصل العنصري. وبالمقابل فان الادارة العسكرية تعمل على بناء المستوطنات وتوسيعها على حساب تطور القرى والمدن الفلسطينية، وعلى الرغم من ان المستعمرات الاسرائيلية تحتل 1.5% من مساحة الضفة الغربية الا ان اسرائيل تستمر في مصادرة الاراضي وبناء المستعمرات.

وتمتنع الادارة العسكرية الاسرائيلية عن اعطاء تراخيص البناء للفلسطينيين بحجة ان القرى الفلسطينية تقع في مناطق يحضر فيها البناء حسب وثائق التخطيط للاستعمار البريطاني قبل عام 1948. وفي ذات الوقت ترخص بناء المستوطنات على نفس هذه الاراضي.

نفاق حقوقي...

كان ممثلو منظمات حقوق الانسان الفلسطينيين في حالة من الدهشة من الخرائط التي عرضها ممثلو المجعية الاسرائيلية ومنهم من اثنى على هذا الجهد، ومنهم من طالب الاسرائيليين بالاعتراف بان الضفة الغربية محتلة! وغيرهم قال بان هذه المعلومات يجب ان تذهب مباشرة الى طاولة الامم المتحدة! وغيرهم ناقش المصطلحات واعترض على تسمية المناطق الفلسطينية بحسب مصطلحات اوسلو، ومنهم من قال: ان مصادرة اراضي الفلسطينيين واعتبارها اراضي دولة هو تبني للمصطلحات الاسرائيلية وهو امر مرفوض جملة وتفصيلا.

وبينما كان بعض المنظرين من جماعة حقوق الانسان الفلسطينيين يستعرضون لغتهم الانجليزية، (اغلبية الاسرائيليين صمتوا) على الرغم من ان اكثر الحضور كانوا من العرب، الا ان النقاش لم يكن بالعربية، وانا شخصيا أشك ان جميع الحاضرين قد فهموا المحاضرة. وفي هذه الاجواء وبينما كنت احاول ان احصل على مجال للمشاركة بالنقاش، لم احصل عليه لسبب اعرفه او لا اعرفه... نطق وفي اللحظة الاخيرة احد المشاركين باللغة العربية وقال: علينا نحن الفلسطينيين ان نبذل جهودنا لتوعية المواطن الفلسطيني ومساندته في حالة مصادرته لارضه.

طبعا المؤتمرون لم يكونوا يبحثون عن مثل هذا الكلام بل كانوا يريدون انهاء اللقاء بعد ان انتهى استعراض المشكلة بلا محاولة للبحث عن حل فعلي وواقعي لها.

وليس هذا الحال باختلاف عن كثير من قطاعات حقوق الانسان الاخرى، حيث ياتي الاسرائيليون مع المعرفة والبحث والتقصي، كانما هم يحاربون الاحتلال، احتلالهم، بالمعرفة، وياتي الفلسطينيون بالفذلكة والكلام الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.

غالبية دكاكين حقوق الانسان الفلسطينية لا تنتمي للواقع، اي الناس ولا تتواصل معهم الا من علياء، ولا تحاول فعلا ان تؤدي الى تغيير فعلي في الواقع. كل ما يعرفه غالبية هؤلاء هو النفاق واستعراض نظريات غربية وفذلكات ليس لها جذر ولا اصل.

أين الارض في الوعي الفلسطيني اليومي؟

قالت لي احدى الناشطات: اتعلمين لماذا ذهبت اراضينا؟.......... لاننا ذهبنا عنها وتركناها.. لو كان هناك وعي لما صودرت اراض. تحولنا الى شعب متسول.. يضع الاحتلال واذنابه من المستعمرين ايديهم على الارض البور التي لا يزورها اهلها ولا يزرعونها. بينما يتهافتون على التسول من الدول المانحة او العمل داخل المستوطنات الاسرائيلية.

قال لي عامل فلسطيني: هذه ليست مستوطنات، بل مستعمرات.. هؤلاء ليسوا مستوطنين بل مستعمرين!

قال الشعار: فلسطين لنا..
قال الاحتلال: استمروا في الوهم.. سنبتلع الارض وستكونون لنا عبيدا..

01‏/06‏/2009

قصة فرخ البط الاسود "القبيح"


كانت مجموعة من البط تسبح في نهر، وعلى رأسها كانت البطة الام تعلم اولادها الصغار السباحة. كان الصغار كلهم في لون ابيض ناصع البياض، عدا واحد منهم كان لونه الاسود وشعر جسمه المنفوش يشير الى غرابته بينهم. فرخ بط اسود صغير يدفع الماء بلا مبالاة، ناظرا الى الافق، مفكرا في مصير عائلته وفي مصير شعبه من البط وهم يتنقلون من نهر الى آخر.

فرخ بط اسود صغير لم يكن يعرف مدى غربته بين اهله وفي وطنه النهر. كان ينظر الى الافق ويطيل النظر والتفكر. وبينما هو على هذه الحالة، واذ به ينظر حوله فلا يجد احدا، الكل اختفى، فمن السرب من طار، ومنهم من عاد الى الشاطئ ليستريح، ومنهم من ابتعد عنه غير مبال به.
شعر الفرخ بالحزن لوحدته، ولكنه قرر المضي في طريقه. كان يشق الماء بحثا عن حقيقة ربما وجدها تطفو او تغرق في ذلك النهر.

قصتي
هذه قصة فرخ البط الاسود، وفي قصص الاطفال يضاف اليها "القبيح" اي المختلف، الاسود، البدائي والهمجي. وفي هذه الاضافات والمعاني تعيير عن عنصرية وعلو الجنس الابيض على الاسود من البشر. وفي الاسلام لا فضل بين عربي على اعجمي ولا ابيض او اسود او احمر او اصفر الا بالتقوى، تقوى الله.

ولست اريد في هذا السياق تحليل القصة من ناحية علاقات القوى بين المستعمر الابيض الذي يضطهد الاخر، الاسود او اي لون اخر. ولكني اريد القول باني هذا الفرخ الاسود، الغريب بين اهله. وليس الاسود الذي هو اقل من الابيض، بل هو الآخر والمتنوع والجميل.






29‏/05‏/2009

شهرزاد تبحث عن بيتها


شهرزاد تبحث عن وجه لها..
زمن طويل فارقت فيه كلماتي، ولكنها لم تفارقني. أفكاري ترفض أن تتركني وتريدني ان اعلن عنها.
ولكن ماذا سيكون اعلاني في هذه اللحظة؟ وهل سأكون جريئة كفاية من أجل الافصاح عن مكنوناتي؟
ولكن..

عندما تفرض الكتابة ذاتها لا بد لي من الاستجابة.. والا فلن اكون كما اريد ان اكون.. ان اكون شهرزاد التي تحكي القصص حتى تعيش. المرأة التي تحكي وتعبّر عن ثقافة زمنها من اجل ان تعيش وان تكون في زمن القصص الرديئة.
شهرزاد كانت تقرأ وتحكي.. اما أنا فقليلا ما أقرأ بالنسبة لها، ولكني كثيرا ما اتعلم من حكايا الناس حولي ومن تجربتي الشخصية.
احاول ان استدعي شهرزادي في هذه اللحظة. شهرزاد التي ترفض ان تموت قبل ان تقول كلمتها الاخيرة وقبل قبل الاخيرة.


بين تحليل الخطاب وتحليل الذات
بدأت مأساتي عندما حضرت محاضرة عن العلاقة بين اثيوبيا والصومال في الجامعة العبرية في القدس قبل حوالي الشهر. كان المحاضر الاسرائيلي يفخر بما توصل اليه من معلومات جمعها حول تحطم هذه العلاقة التي كانت تربط العالم الاسلامي بالحبشة التي استضافت المهاجرين الاوائل قبل حوالي 1400 عام. وتحطمت بغزو الحبشة للصومال ، بعد ان خلعت رداءها المسيحي لتلبس رداء "اللبيرالية" وتصبح من جند العالم الغربي في السبعينات من القرن الماضي.

ما الذي يحدث؟ تساءلت بحرقة من لا يعرف الا القليل القليل عن تاريخ الصومال. والاكثر من ذلك تساءلت عن "نحن" الامة الاسلامية وطريقة تعاملنا مع هذا الغزو.

كان المحاضر الاسرائيلي يقارب بين اثيوبيا المسيحية في افريقيا وبين اسرائيل اليهودية في اسيا، وكلاهما وسط بحر من المسلمين "المتعصبين"، بينما هاتان الدولتان تحملان مشعل اللبيرالية وحرية التعبير!
ولا عجب ان تتحول اثيوبيا، بمجرد مقارنتها باسرائيل، الى "ضحية" عليها ان تدافع عن نفسها ولو كان ذلك باحتلال الصومال او باجزاء منه واشعال نار الحرب فيه.
كان المحاضر يحلل التعابير والمصطلحات التي استعملها العالم الاسلامي في وصف اثيوبيا وغزوها وتشبيهه بغزو ابرهمة الاشرم لمكة في عام الفيل.

وفي الوقت ذاته كنت احلل التعابير والمصطلحات التي كان يستعملها من اجل مقاربة اثيوبيا لاسرائيل وخلق واقع مشابه لهما، ويمكن لهذا الواقع ان يزيد من مصلحة كل منهما في التحالف مع الاخرى.

وليس غريبا في عالمنا الذي تجتاحه وسائل الاعلام والاكاديميات المنحازة الى تحليل الخطاب الذي يستعمله كل طرف في الصراع من اجل استخلاص مواقفه.
ولا اريد ان اقف عند هذا الحد.. بل انه من المطلوب والحتمي علينا كأمة مسلمة تحليل الخطاب الاخر، المعادي الخارجي، من اجل ان نفكك ونهدم حجته.


هروب جديد
ها هي شهرزاد المرأة تهرب مني مرة اخرى، لتقلع في عالم السياسة والحدود ومعارك الملوك والشعوب. وفي لحظة يغيب طيفها الحزين ويعلن عن ميلاد لثورة جديدة.


09‏/05‏/2009

المسجد الابراهيمي.. الى متى؟

فراغ المسجد الابراهيمي.. هل يعني فراغ الامة؟

الاحتراق هو الاحتراق. تمر الايام ويبقى في القلب ذلك الاحتراق الدائم. الخضرة الجميلة والتي تملأ طريق القدس الخليل تفتح مسامات الخلايا للخيال. شيئ ما في هذا الجمال يجعل من الألم شئيا مثل الخرافة. كروم العنب المتناثرة والصخور البديعة تتناسق مع زرقة السماء. طالما اعجبني ذلك التناسق في الالوان ما بين الشجر والحجر والسماء.

ان هذا التناسق يجعل من السفر نوعا من السياحة الروحية. استنشق الهواء ملئ رئتيّ، ولكني اصاب بالصدمة وانا ارى تكاثر المستوطنات على الارض.

يا الهي تصرخ اصوات في داخلي كيف تمتد هذه المستوطنات ووتوسع مثل اخطبوط يلتف على الارض ليسرق ما فيها? حتى الحياة هناك تنتهي. وعلى مد البصر تشاهد عشرات القطعان من "المستوطنات غير القانونية"!


اللقاء في المسجد
كانت المرة الأولى التي أزور فيها المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل. في الطريق اليه كانت دقات قلبي ترتفع شيئا فشيئا ترقبا للقاء سيغيرني. كان عدد المارة في الطريق يشير الى عمق المأساة، فمن باب الزاوية حيث احتشاد الجماهير في مركز الخليل التجاري الى اسواق البلدة القديمة كان عدد الحوانيت والمارين يقل تدريجيا، حتى انه في داخل السوق القديم والذي اغلق منذ بداية الانتفاضة الثانية عام 2000 انعدمت حركة الزوار الا فقط من الباعة وسكان الحي.
وخلال هذه الفترة استولى المستوطنون على الطوابق العليا من المنازل الفلسطينية، بينما سكن الفلسطينيون الذي صمدوا امام هذه الهجمة الشرسة في الطوابق السفلى، وامتلأت بعض الشباك التي نصبت فوق الشوارع بالحجارة والقمامة التي القاها المستوطنون من منازلهم املا في ان تصيب المارة الفلسطينيين في الشارع ولكنها علقت في الشباك لتكون شاهدا على عمق الصراع. بينما ارتفعت بناية لتعليم الدين اليهودي واغلقت محطة الباصات المركزية التي كانت قبل بضع سنوات تغص بزوار وسكان الخليل العرب.


حواجز اسرائيلية ثلاثة اصطفت قبل المسجد، اخرها على بابه. في القلب احتراق يعود لينبش خوفا على المسجد الاقصى: هل سيصبح حال المسجد الاقصى كحال الابراهيمي؟
كان الوقت صلاة العصر، والمسجد شبه فارغ. فيوم الاربعاء ال 6.5.09 استشهد فلسطيني وهو همام محمد ناصر 22 عاما بالقرب من المسجد بنيران جيش الاحتلال بادعاء انه حاول الاعتداء على احد الجنود وفي رواية اخرى انه لم ينصع لاوامر الجنود في حاجز. بينما يقول افراد عائلته انه مختل عقليا. وفي اعقاب ذلك اعلنت منطقة المسجد الابراهيمي منطقة عسكرية لا يدخلها المسلمون.

وفي المسجد توزعت ضريح سيدنا ابراهيم عليه السلام وضريح زوجته سارة اضافة الى اضرحة سيدنا يعقوب عليه السلام وزوجته رفقة. وفي القسم الاخر الذي اغلق بمجموعة من الالواح الخشبية سمعت اصوات توراتية حول قبر سيدنا يوسف عليه السلام. وفي احدى الزوايا كان هناك اشارة الى الغار المقدس الذي دفنت فيه جثامينهم الطاهرة.
اللهم صلي على سيدنا محمد كما صليت على سيدنا ابراهيم، وبارك على سيدنا محمد كما باركت على سيدنا ابراهيم، في العالمين انك حميد مجيد.



صلاح وأنا.. صلاح الأنا
صلاح الدين اراه في كل مكان اذهب اليه، اراه في المسجد الاقصى في القدس وفي جبال نابلس وفي مرتفع ضريح النبي صمويل على مشارف القدس من الجهة الغربية يبني قلاع الحماية والمراقبة، وها هو في المسجد الابراهيمي يضع منبرا لا مسمار فيه، جميل اشد الجميل، له مثيل في المسجد الاموي في دمشق واخر حرقته يد الاحتلال في المسجد الاقصى المبارك عام 1969.


صلاح الدين يدفعني الى ان أقرأ أكثر فأكثر عن الخلافة العثمانية، يدفعني الى ان افهم تاريخي وتاريخ كل مسلم. الخلافة الاخيرة التي هزت عروش اروروبا لمدة اربعة قرون، ومنذ سقوطها منذ عام 1917 وامة الاسلام في ذل وتشرذم. اتسائل: ما الذي حدث لنا؟

زيارة بابا الفاتيكان الى القدس والمسجد الاقصى في هذه الايام ليست عبثية، استطيع ان ارى التماع عينيه وهو يرى المسجد تحت حراسة اسرائيلية، التماع الفرح لا البكاء.

ربما نحن نسينا تاريخنا ايام الخلافة العثمانية، ربما لم ندرسه اصلا، ولكن بابا الفاتيكان والعالم المسيحي يذكرون جيدا كيف قام البابا لمدة ما يزيد عن اربعة قرون من الخلافة العثمانية بتوحيد عروش اوروبا لمحاربة المسلمين في النمسا والاندلس. وقبل ذلك في شن الحروب الصليبية.

ربما نحن نسينا من نحن ومن اين جئنا. ربما لا نعرف اليوم كيف ندافع عن عقيدتنا وعن وجودنا كما يجب. ولكن علينا الا ننسى ان الامانة كبيرة وهي على كاهلنا. امانة اشفقت منها الجبال وحملها الانسان وكان الانسان ظلموما جهولا.

16‏/04‏/2009

صوت اخر يعلو من باحات الاقصى

تصوير ميساء احمد، مدونة انعاش


الاقصى يعيدني الى الوعي. بعد اسبوع من العزلة عن العالم الا من الوهم، اعود الى الاقصى كما دوما لتعود اليّ روحي.

الكاميرا والسيطرة
كانت الساعة تقارب ال12 ظهرا (يوم 16.4.09)، وكنت في طريقي الى المسجد الاقصى، اريد ان ارمي همومي بين باحاته، ولفت انتباهي الكاميرات المعلقة في المباني العامة والخاصة، وفي البلدة القديمة كانت كاميرات المراقبة تنتشر في كل مكان. تذكرت فوكو، الفيلسوف الفرنسي الذي كتب عن المراقبة، وكيف ان الانطمة في العصر الحديث وخاصة في السجون تعتمد على مبدأ المراقبة من اجل السيطرة، عندما يشعر السجين انه مراقب 24 ساعة وكل حركة وسكنة منه تحت المراقبة، الامر الذي يحولّه الى كائن من السهل السيطرة عليه. وهكذا تراقبنا دولة الاحتلال الاسرائيلي حتى من غير ان تراقبنا فمجرد الاحساس، وان كان مبنيا على الوهم، بأننا مراقبون، فإن هذا الامر يحولنا الى اناس آخرين، بوعي منا او بغير وعي.

تظاهرة نسائية
الريح لم تكن تصفر فقط في الباحات المحاذية لباب المغاربة والذي يبتعد بضعة امتار فقط عن المسجد الاقصى (الجنوبي)، بل كانت تلفح قلوب جماهير النسوة اللواتي اصطففن في مواجهة شرطة الاحتلال الاسرائيلي، كن نساءا من مختلف الاعمار، يسبحن، يكبرين، يهللن وينادين بالشهادة فداء للاقصى.
وكانت بين الفترة والاخرى تسمع نداءات عفوية هنا وهناك، لم يكن هناك برنامج واضح، رسائل واضحة، بل كان وقوفهن احتجاجا على دخول قطعان المستوطنين ومن حالفهم من السياح الاجانب واستباحة حرمة المسجد الاقصى المبارك.
كان الشعور العام بان الاقصى هو الثغر الوحيد للكرامة الاسلامية، فان سقط فان كرامتنا ستسقط، ولن يعوضنا اي شيء عنه. وماذا تبقى لنا هنا في فلسطين ان رحل عنا اقصانا؟
كرامتنا تهان في كل مكان، والكثير من ابناء وبنات هذه الامة اصيبوا بداء اللامبالاة. وكان اقسى ما شعرت به النساء المقدسيات، ان اهل القدس قد تخلوا عن اقصاهم. تقول منال بنت ال 21 عاما: "واسفاه على اهل مدينة القدس، لقد استطاعت اسرائيل ان تفقدهم انتماءهم للاقصى. ربما يسرحون الان ويمرحون في الاسواق بينما اقصاهم يئن من الفراغ".

بدر والاقصى
وسبقت صلاة الطهر قطرات من المطر لتغسل مساطب باب المغاربة ولتهيئه لصلاة الظهر، واجتمعت النسوة اللاتي استجبن لنداء الحركة الاسلامية في الداخل الفلسطيني التي دعت للرباط في المسجد. اصطفت النساء للصلاة وربما كانت هذه المرة الاولى التي تحتشد فيها عشرات النساء الفلسطينيات لتصلي امام رجال الشرطة الاسرائيلية الذين تجمهروا عند باب المغاربة.
وفي سجدة الركعة الثالثة سمعت اصوات طبول وصراخ باللغة العبرية، كان صوت الطبول يعلو مع الوقت، واذ يخطر لي صوت طبول كفار مكة قبيل معركة بدر. سألت الله الثبات والسكينة.
وبعد الصلاة تجمع الرجال الذين سمح لهم بالدخول للصلاة في المسجد. كانت ريح وبقايا مطر وغبار. اطلقت النساء شعارات عن الشهادة في سبيل الاقصى واراقة الدماء على ثراه. واكتفى الرجال بالتكبير.
تساءلت صديقتي: الى اين وصلنا؟ النساء ترفع اصواتها والرجال يصمتون!
اجبتها: لا يصمتون جبنا، بل منعا لاستغلال صوتهم ضدنا. الرجال يصمتون لانهم اذا صرخوا اعتقلوا، وهل تعقدين ان اي منا ستبقى هنا لو اعتقل الرجال؟

عين الامن
كان واضحا ان هذه هي التجربة الاولى للنساء في المواجهة في الاقصى، مرة يتقاربن ومرة يتبعثرن، ولكنها لا شك وقفة شجاعة.
"أنا متفائلة" قالت رباب "لأن النساء بدان برفع اصواتهن، وهذا يقول الكثير عن قدراتهن".
ولكن ينقصهن الكثير من التخطيط. نعم الكثير.
- ما الذي يمكن ان يخيفك في مثل هذه التظاهرة؟ تساءلت.
اجابت رباب: الامن. الا ترين انهم يصورون كل من يشارك هنا. وهناك من النساء من تبتعد عن اعين الكاميرات حتى تبتعد عن عيون الشاباك (المخابرات الاسرائيلية).
- وماذا بعد الشاباك؟ لنصنع سناريو فيلم رعب من افلام هوليود، شو يعني؟ تساءلت. وبقي السؤال معلقا حتى التقطته ميساء واجابت: "لا داعي للخوف، هذا فقط من اجل التخويف ولن يصنعوا شيئا مع هذه الصور".

من اين تاتي قوة الجلاد او ضعفه؟
بينما كانت النساء الفلسطينيات يصرخن: لا مكان لهيكلكم. كانت اسواق القدس تطفخ بالسياح من اليهود والاجانب، وساحة حائط البراق تمتلئ بعشرات الجنود والمتدينين اليهود والذين "دقوا رؤوسهم على حائط البراق"! كنت ارى هذا المشهد من مطل للسياح يقابل باب المغاربة من جهة ما يسمونه ب"الحي اليهودي" الذي اقيم على انقاض حي المغاربة بعد ان هدم بالكامل عام 1967.
وفي الجهة الشمالية كان بعض رجال شرطة الاحتلال يغطون في نوم على كراسيهم والتي تقع مباشرة فوق مبنى النفق الذي حفرته سلطات الاحتلال من اجل تدشين تاريخ يهودي تحت الارض.

وبعد رؤية هذا المنظر تأكد لي انه من غير الممكن وقد شارفت الساعة على الرابعة بعد الظهر اقتحام المسجد الاقصى، وخاصة ان هناك مصلحة اسرائيلية في ان يبقى السياح في المدينة لا ان يهربوا بسبب اجراءاتها الامنية.

وربما تكون اللعبة هي لعبة مال وسياحة. السياحة الخارجية التي تفاءلت اسرائيل بزيادتها في السنوات الاخيرة ولن تغامر بها في ظل ازمة اقتصادية حادة ستصل ذروتها، على ذمة خبراء الاقتصاد، العام القادم ويمكن ان تستمر لعشرة اعوام اخرى، والله اعلم.

واللعبة هي لعبة سيطرة، اسرائيل التي ترى في نفسها القوة والاستعلاء تريد ان تسيطر على اهم مقدسات المسلمين لاثبات علوها وسطوتها، وربما كان الستار دينيا، مع اني لا اعتقد بان يهودية اليوم هي دين نبي الله موسى عليه السلام، ودليل على ذلك رجوع بعض التيارات اليهودية الى ممارسة طقوس عبادة النار وغيرها من الطقوس الوثنية.

المرأة والوصية
تقول عجوز من قرية طرعان الجليلية: جئت الى هنا لاني امتلئ جروحا، جئت اريد الشهادة في الاقصى، توضئت في البيت وقلت لاولادي باني ربما اموت شهيدة. في حرب 1967 سقطت طيارة حربية في قريتي، كنت وقتها بنت 14 سنة، وصرت ابكي واصرخ من الخوف، ووقتها قال لي ابي رحمه الله: لن تكوني ابنة محمد صبحي اذا استمريت في البكاء. كم اتمنى ان تكوني مع مريول ابيض لتسعفي الجرحى. وها انا انفذ وصية ابي في الاقصى وفي مدينة سخنين في يوم الارض".

تذويت لمعنى الآية القرانية: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ"
(سورة الانفال، اية 15)
لا اخفي تنازعي بين رغبة الرباط مع بقية الاخوات وبين العودة على ادراجي. كان التردد ينبع من مكان غير واثق مما ستؤول اليه الامور. كان خوفا نابعا من عدم التجربة. نعم لم اجرب الاحتجاج بهذه الطريقة، ربما استعملت طرقا اخرى اكثر هدوءا. ولكنها المرة الاولى التي اكون فيها مشاركة وليس قاصة.
وفي تلك الحيرة والازمة بدأت اتذكر معنى "لا تولوهم الادبار"، اي لا تهربوا ولا تفروا، ليس فقط من ساحة القتال، بل من ساحة الرباط والتواجد والتظاهر وقول كلمة لا لهيكلهم. وليس فقط في ميدان المواجهة اعسكرية بل ايضا في الاعلام وفي العلم، يجب على كلمتنا الا تكون السفلى بعد الان.
وعدم المبالاة التي يعيشها شبابنا اليوم والخوف الذي عاشه جيل الآباء هو جزء من الفرار وعدم المواجهة، وربما يكون الفرار بعينه.
حان الوقت لنواجهه انفسنا بالحقيقة ولنتحمل المسؤولية.